إخوان الصفاء
166
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
عرفت منهم أحدا وآنست منهم رشدا عرّفنا حاله وما هو بسبيله من أمر دنياه وطلب معايشه وتصرّفه في حالاته لكي نعرف ذلك ونعاونه على ما يليق به من المعاونة ، فإن كان ممن يخدم السلاطين ويتصرّف في أعمالهم ، أوصينا إخواننا ممن يكون بحضرة السلاطين والملوك بالنيابة عنه والنصيحة له وحسن الرأي فيه لدى الملوك والسلاطين والوزراء . وإن كان من أبناء التّنّاء والدهاقين والأشراف وأرباب الضياع ، أوصينا إخواننا ممن يتولى عمل السلطان بصيانته وحسن معاونته في ملّته وكفّ الأذيّة عنه ، وقبض أيدي الظالمين عن البسط إليه . وإن كان من أبناء أصحاب النّعم وأرباب الأموال عاونّاه بحسب ذلك . وإن كان من الفقراء المحتاجين واسيناه مما آتانا اللّه من فضله . وإن كان ممن يرغب في العلم والحكمة والأدب وأمر الدين وطلب الآخرة ، علّمناه مما علمنا اللّه ، عز وجل ، وألقينا إليه من حكمتنا وأطلعناه على أسرارنا بحسب ما يحتمل عقله وتتسع له نفسه ، وتتوق إليه همته إن شاء اللّه ، عز وجل . واعلم ، أيها الأخ البار الرّحيم ، أنّا لا نكتم أسرارنا عن الناس خوفا من سطوة الملوك ذوي السلطنة الأرضية ، ولا حذرا من شغب جمهور العوامّ ، ولكن صيانة لمواهب اللّه عز وجل لنا كما أوصى المسيح فقال : « لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم » . واعلم أيها الأخ أنّا لا نحسد ملوك الأرضين ولا نتنافس في مراتب أبناء الدنيا ، لكن نطلب الملك السماوي ومراتب الملائكة الذين هم أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، لأن جوهرنا جوهر سماوي ، وعالمنا عالم علويّ ، ونحن هاهنا أسرى غرباء في أسر الطبيعة ، غرقى في بحر الهيولى بجناية كانت من أبينا آدم الأول حين خدعه عدوه اللعين إذ قال : « هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى » « فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما » وقيل لهم : « اهبطوا بعضكم لبعض عدو » يعني أنتما وذريتكما « ولكم في الأرض